بقلم تماضر المهدي

.”كأزهار بعثرتها العاصفة, حياة الانسان ماهي إلا رحلة طويلة من الوداع”

هكذا يذكرنا الكاتب الياباني هاروكي موراكامي في روايته كافكا على الشاطئ بشيء لطالما عرفناه في قرارة أنفسنا, و تعايشنا معه رغما عنا. رحلتنا مع الفقد بدأت منذ زمن طويل, وكأن حياة الانسان لا تتسع إلا لعدد معين من الأشياء والأشخاص, نرحب بشئ جديد فقط لنجد صديقا قديما حاملا حقيبته في يد, ويلوح لنا بالأخرى من بعيد, , بداية من لعبتنا المفضلة, غرفة نومنا القديمة والملصقات التي علقناها عليها بأيدينا الصغيرة, صديق, بل أصدقاء , فرد من العائلة, وظيفة, مدينة, حلم

شبح الفقد دائما يطوف في المكان , لتذكيرنا بضعفنا وجبروته, والإنسان -على الأقل إن لم يستطع منعه- فلقد قام بالتعبير عنه

(كما هو الحال مع أعمال الفنان النرويجي إدفارد مونك (1836- 1944

كان مونك ابناً لأسرة مسيحية متشددة دينيا, والده طبيب في الجيش, بينما أمه (لارا) غادرته وهو في الخامسة من عمره بسبب مرض السل المنتشر في ذلك الوقت, والذي كان سببا في وفاة شقيقته الكبرى (صوفي)  بعد عشر سنوات من وفاة والدته، الذي كان كفيلا بقلب حياتهم رأسا على عقب

عانى والده من الاكتئاب إثر ما حدث واعتبره عقابا إلهيا. عبر مونك الابن لاحقا عن قسوة والده في غياب والدتهم في مذكراته

بقوله: لقد كان عصبيا متزمتا, وزرع فيّ بذور الجنون, لقد وقف الخوف, الحزن, والموت بجانبي منذ أن ولدت

بعد مرور سنوات, صور مونك أخيرا المشهد الذي كثيرا ما طارده ,  لوحة الطفلة المريضة (1886): شقيقته وهي على فراش الموت , ربما يعود لإحساسه بالذنب , اختيار الموت لها في الوقت الذي نجا فيه هو من المرض, نستطيع رؤية الحزن والخضوع في ملامح الطفلة صوفي , بينما السيدة إلى جانبها تشيح برأسها للأسفل غير قادرة على النظر في عيني الطفلة المريضة, الموت يملأ المكان, رسم مونك المشهد بستة نسخ مختلفة على مدار 40 عاما

 مونك, الطفل المريض, زيت على القماش سم ١١٩*١٢١, ١٩٠٧متحف التايت- لندن

يليها بعد ذلك مشهد موت في غرفة المرض (1895) نشاهد هنا التحول الذي حدث من مشهد الطفلة المحتضرة إلى الأسرة بعد معرفتهم بالخبر, كل يتعامل مع الحزن بطريقته المختلفة وهو شيء نراه في حياتنا على الدوام , نجد السيدة من اللوحة السابقة بوجهها الشاحب تواسي طفلة باكية, الأب يصلي في خشوع, شاب ينظر للسريرالفارغ برعب أو هكذا يخيل لي, وآخر يشيح بوجهه للجهة الثانية

 مونك, الموت في غرفة الموت, زيت على القماش سم ١٦٠*١٣٤, ١٨٩٣

بعد ذلك يعود مونك لذكرى قديمة تعود لأكثر من 30 سنة إلى الوراء، بلوحة الأم الميتة (1899), ربما الحدث الأكثر تأثيرا في حياته, يصور طفلة صغيرة بعينين حزينتين, تغطي أذنيها ربما كوسيلة لكبح الصراخ, أو كاحتجاج على ما يحدث, رافضة أن تودع والدتها بهذه السرعة,  وفي الخلف شبح سيدة فارقت الحياة، إن دل على شيء فهو على قسوة الذاكرة على هذا الطفل متحدية النسيان

 مونك, الأم الغائبة, زيت على القماش سم ٩٩*٩٠, ١٨٩٩

نستشعر في أعمال مونك بقدسية الذاكرة, الموت والفقد كشئ محتم, وأن الفن هو الوسيلة الأمثل والأكثر صدقا لنقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من أسى, باختلاف المكان وحتى بعد مرور مئات السنين

All image courtesy indicated in captions.